محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري

28

الاعمال الصوفية

غير أن هذا البحث في الأساس الثقافي للسياحة ، وربطها بمفهوم التوكل عند الغزالي يجب ألا يمنعنا من معرفة أن السياحة عند النفّريّ تشمل ذلك وتفيض عنه . وفي موقف السياحة من كتاب « موقف المواقف » يعبر النفّريّ عن فهمه للسياحة قائلا : « ضاق العلم : العلم ضيق . ضاقت المعرفة : المعرفة ضيق . ضاق الأدب : الأدب ضيق . ضاق الكون : الكون ضيق . وقال لي : إذا رأيتني لم يسعك شيء ، لأنك تطلب منه ما يقرّك فيه ، فلا تجده منه ، فيضيق بك . وقال لي : في الرؤية ضيق تعرفه ، ولا تعبّره . فإذا جاءك فسح : إنما جاءك لذلك » ( ص 292 ) . لا يصل الرائي إلى مرحلة السياحة ، إلا بعد أن يجتاز ضيق العلم والمعرفة ، وحينئذ يفاجئه ضيق الوجود كلّه . ففي الرؤية ، يتبين ضيق الوجود واتساع الرؤية ، لكن الرؤية نفسها لا تخلو من مخاطر الضيق التي لا يمكن للغة أن تعبّر عنها . وهنا يكون من واجب الرائي أن يسيح ، ليتخطى ضيق الرؤية نفسه . هكذا يتضح أن « السياحة » ليست فقط تجوالا في المكان ، بل هي تجاوز للمكان نفسه . السياحة عند النفّريّ ليست عبورا للمكان وحده ، بل هي اكتشاف ضيق الوجود ، وضيق لغة المفاهيم التي تعبّر عن هذا الوجود . وهي تشتمل على الارتحال في المكان والارتحال في اللغة الواصفة لتجربة الارتحال . السياحة رحلة في المكان ، وفي لغة المفاهيم المعبرة عن هذه الرحلة . وهكذا فالسياحة هي رحلة تطلع ولهفة إلى مكان لم يوجد بعد على الأرض ، ومفهوم لم يوجد بعد في اللغة . ومن هنا تأتي غزارة لغة النفّريّ التي تميزه عن سواه من المتصوفة . استواء الأضداد في الرؤية تنعدم الحدود بين الأشياء . وحين تنعدم الحدود اللغوية بين الأشياء ، تتضاعف مشقة الوظيفة اللغوية ، أو هي تقف شبه خرساء ، لا هي قادرة على التعبير ، ولا هي قادرة على الاحتجاب : « إذا رأيتني استوى الكشف والحجاب » ( الموقف 31 ) . فلا يكون أمام الرائي سوى التخلي عن مراتب المعرفة . لا بدّ له أن ينزع أردية المعرفة

--> - دلالتها الإيجابية إلى دلالة « الدهري » أو من لا يؤمن بالله . وقد تساهل المسلمون الأوائل عند فتح العراق مع المانويين واعتبروهم من أهل الكتاب ، ولكن بعد اندلاع انتفاضة المقنّع الخراساني في عصر المهدي تمّ القضاء على المانوية نهائيا ، باسترجاع الجهاز الايديولوجي الذي حوربوا به في العصر الساساني عن طريق تشكيل « ديوان الزنادقة » .